الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

378

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

[ مسألة - 9 ] : في عزلة العلماء بالله تعالى من حيث الأسماء الإلهية يقول الشيخ الأكبر ابن عربي قدس الله سره : « لا يعتزل إلا من عرف نفسه ، ومن عرف نفسه عرف ربه ، فليس له مشهود إلا الله من حيث أسماؤه الحسنى وتخلقه بها ظاهراً وباطناً . وأسماؤه الحسنى على قسمين : أسماء يقبلها العقل ويستقل بإدراكها وينسبها ويسمى بها الله تعالى ، وأسماء أيضاً إلهية لولا ورود الشرع بها ما قبلها ، فيقبلها إيماناً ولا يعقلها من حيث ذاته إلا أن أعلمه الحق بحقيقة نسبة تلك الأسماء إليه كما علمها أنبياءه وأولياءه . فصاحب العزلة : هو الذي يعتزل بما هو له من ربه من غير تخلق بما ينفرد به في زعم العقل من الأسماء الإلهية المشروعة التي لولا الشرع ما سمى العقل الله بها ، فهي للحق وقد جبل الإنسان عليها وخلقه مجلًا لها ، فهو المسمى بها ولا يتمكن له الاعتزال عن مثل هذه الأسماء الإلهية . وبقى القسم الآخر من الأسماء الإلهية ، يعتزل عنها لما يطرأ عليه منها من الضرر كما قال : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ « 1 » ، وقوله : كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ « 2 » ، فيعتزل عن مثل هذه الأسماء الإلهية لما فيها من الذم لمن تسمى بها وظهر بحكمها في العالم . . . فمن رأى التخلق بالأسماء الحسنى ومزاحمة الحق فيها لكونه خلق على الصورة ، فلا بد أن يظهر بها ، ويتلبس على الحد المشروع المحمود ، فهذه مزاحمة عبودية ربوبية ، وذلك لما رأى أن له أسماء هي له حقيقة ينفرد بها ، ورأى أن الحق زاحمه فيها ، كالضحك والفرح والتعجب والمحب والمتردد والكاره والناسي والاستحيا وما أشبه ذلك مما ورد ذكره في الكتاب والسنة ، إلى ما يداخل النشأة من يد ويدين وأيد ورجل وعين وأعين ، إلى ما يداخل النشأة من الأحوال من استواء ومعية ونزول وطلب وشوق وأمثال ذلك . ورأى هذا المعتزل قبل اعتزاله أن الحق قد زاحمه في هذه النعوت التي ينبغي أن تكون

--> ( 1 ) - الدخان : 49 . ( 2 ) - غافر : 35 .